أصبح الذكاء الاصطناعي إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدم في الحروب الحديثة سواء في تشغيل وتوجيه الأسلحة نحو الأهداف أو تنفيذ العمليات القتالية في ساحات المعارك أو المساهمة في تحليل البيانات العسكرية واتخاذ القرارات بسرعة، كما بات أداة فاعلة للغاية في الحروب النفسية من خلال نشر فيديوهات مفبركة على منصات التواصل الاجتماعي للتأثير على الرأي العام لدى الخصوم أو الجماهير حول العالم لتصدير صورة ذهنية معينة عن مجريات الصراع.
وقد واكب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إطلاق طهران لموجة غير مسبوقة من المعلومات المضللة المُولدة بالذكاء الاصطناعي حول الحرب، حيث برزت أمثلة عديدة لمقاطع فيديو مُولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر مباني تحترق، وبعضها ينهار، وصواريخ ضخمة تُنقل في الشوارع، وصور أقمار صناعية مُفبركة تُستخدم لنشر ادعاءات كاذبة ومضللة حول الصراع، وقد حصدت مجتمعة على مئات الملايين من المشاهدات على الإنترنت نتيجة لجوء كثيرين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن أحدث المعلومات ومشاركتها.
وفي هذا الإطار، اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل صريح إيران باستخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح تضليل لتشويه صورة الانتصارات الأمريكية خلال الحرب. وقال ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة الأمريكية “إير فورس ون” بعد نشره منشورًا على منصته “تروث سوشيال” اتهم فيه وسائل الإعلام بـ”تنسيق وثيق” مع إيران لنشر “أخبار كاذبة” مُولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سلاحًا آخر للتضليل تستخدمه إيران ببراعة، لا سيما مع تراجع قوتها يومًا بعد يوم. وأوضح ترامب أن إيران عرضت صورًا لـ”زوارق كاميكازي” مزيفة تُطلق النار على سفن مختلفة في البحر، ما يُوحي بالقوة والشراسة، لكن هذه الزوارق غير موجودة فهي مجرد معلومات كاذبة، أما طائرات التزود بالوقود الأمريكية الخمس التي زُعم إسقاطها وإلحاق أضرار جسيمة بها، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” وغيرها من وسائل الإعلام التي وصفها بـ”الكاذبة”، فهي جميعها في الخدمة، باستثناء واحدة ستعود قريبًا.
كما أشار إلى أن المباني والسفن التي ظهرت وهي تحترق مجرد أخبار كاذبة، من إنتاج الذكاء الاصطناعي، مشددًا على أن إيران تُدمر، والمعارك الوحيدة التي “تنتصر” فيها هي تلك التي تختلقها عبر الذكاء الاصطناعي، وتنشرها وسائل الإعلام “الفاسدة”.
- أنماط الفبركة المنتشرة
اعتمدت إيران على أنماط متعددة من الفبركة والتزييف، حيث أظهر مثال نموذجي لفيديو تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي صواريخ تضرب مدينة تل أبيب بينما يتردد صدى صوت الانفجارات في الخلفية. وقد تم عرض هذا الفيديو في أكثر من 300 منشور على منصة إكس، تمت مشاركتها بعد ذلك عشرات الآلاف من المرات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
كما يُظهر مقطع فيديو آخر مزيف -شوهد عشرات الملايين من المرات-، برج خليفة في مدينة دبي وهو يشتعل، بينما يبدو حشد من الناس وكأنهم يركضون نحوه. وقد انتشر هذا الفيديو المُولد بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع عبر الإنترنت في وقت يسوده قلق بالغ بين السكان والسياح بشأن غارات الطائرات بدون طيار “الدرونز” والضربات الصاروخية على المدينة.
ومن بين السمات الجديدة لهذا الصراع، انتشار صور الأقمار الصناعية المُولدة بالذكاء الاصطناعي. وقد تحققت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” من عدة مقاطع فيديو تُظهر غارات جوية إيرانية بطائرات “درونز” وصواريخ على مقر قيادة الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية في البحرين في اليوم الأول من الحرب. لكن في اليوم التالي، انتشرت صورة مُفبركة، نشرتها صحيفة “طهران تايمز” على منصة إكس، مُدعيةً إظهار أضرار جسيمة لحقت بالقاعدة.
ويبدو أن الصورة المُفبركة تستند إلى صور حقيقية التقطتها الأقمار الصناعية لقاعدة بحرية أمريكية في البحرين في فبراير 2025، وهي صور متاحة على الإنترنت. ووفقًا لأداة “SynthID” لكشف العلامات المائية من جوجل، تم إنشاء الصورة المُفبركة باستخدام أداة ذكاء اصطناعي من جوجل.
وفي هذا السياق، يرى تيموثي غراهام، خبير الإعلام الرقمي في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا أن مشكلة التزييف باستخدام الذكاء الاصطناعي مُقلقة للغاية، وقد جعلت هذه الحرب من المستحيل تجاهلها الآن”، موضحًا أن “ما كان يتطلب في السابق من وقت وجهد لإنتاج فيديو احترافي، أصبح الآن يُمكن إنجازه في دقائق باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، فقد انهار الحاجز أمام إنشاء لقطات مُصطنعة مُقنعة للصراع”.
بدوره، أشار الدكتور جوردان هاول، الأستاذ المساعد في قسم علم الجريمة بجامعة جنوب فلوريدا إلى أن الذكاء الاصطناعي سمح في ظل السياق الجيوسياسي الحالي بالدعاية على نطاق واسع، ومن الصعب حقًا على الأفراد معرفة المعلومات الحقيقية.
وعلى الرغم من ذلك، يُمكن كشف عيوب مقاطع الفيديو المُولدة بالذكاء الاصطناعي باستخدام برامج مُخصصة لمقارنة الصور والتحقق من مصادر موثوقة للتأكد من صحتها، لكن تبقى المعضلة الأكبر في تثقيف الجمهور وتوعيته فهذه معركة وعي بالأساس.
وينصح تشاد مايرن، الأستاذ في كلية سانت بطرسبرغ، باستخدام الطريقة التالية لكشف الفيديوهات المزيفة:
- التأني والتفكير قبل مشاركة أي مقال أو فيديو.
- التحقق من المصدر لمعرفة هوية الناشر ومجال خبرته.
- البحث عن تغطية أفضل من خلال البحث عن نفس الخبر من مصدر موثوق (مثل وكالة رويترز، أسوشيتد برس، إلخ).
- تتبع الادعاءات وصولًا إلى سياقها الأصلي لتحديد مكان ظهور الصورة أو الفيديو لأول مرة.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالأسلحة التقليدية، بل تُدار أيضًا في الفضاء الرقمي عبر معارك المعلومات المعززة بالصور ومقاطع الفيديو للسرديات المتنافسة.
وفي ظل التسارع الرهيب لتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إنتاج محتوى زائف لكنه شديد الإقناع، تصبح القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل تحديًا متزايدًا، لذلك أصبح بناء قدرات الأفراد وتأهيلهم للتحقق من المعلومات ضرورة لتحصين الرأي العام وتجنيب المجتمع السقوط في فخ الدعاية الرقمية والحروب النفسية التي لا يقل تأثيرها خطورة عن الحرب الفعلية.



