أسطورة الحياد الإعلامي الغربي

أسطورة الحياد الإعلامي الغربي

مركز القرار

  • أسطورة الحياد الإعلامي الغربي

في الوقت الذي يتزايد فيه دوي المدافع وأزيز الطائرات في قطاع غزة مع مواصلة الاحتلال الإسرائيلي عدوانه الوحشي وممارسته للتهجير القسري ضمن سلسلة جرائم حرب يرتكبها ضد الفلسطينيين، تدور رحى معركة أخرى تختلف فيها الأسلحة، فهي معركة إعلامية تدور حول الوعي وتشكيل الرأي العام العالمي، توظف فيها آلة الدعاية الإسرائيلية كل الإمكانات لتزييف الحقائق وتضليل الشعوب، وإلباس الباطل ثوب الحق.

ولطالما خرجت وسائل الإعلام الغربية والعاملون فيها في رداء النصح والإرشاد، بالحديث عن المهنية والحياد في التغطية الإعلامية، إلا أن كل تلك القيم تسقط حينما يتعلق الأمر بإسرائيل وجرائمها، وهو ما يظهر على مستويات عدة بدءًا من المصطلحات المستخدمة لوصف أطراف الحدث، مرورًا بطريقة المعالجة الخبرية، وصولًا إلى المساحات المخصصة لتمثيل كل طرف.

  • معالجة إعلامية منحازة لإسرائيل

أظهرت المعالجة الإعلامية الغربية لكل من عملية “طوفان الأقصى” التي نفذها الفلسطينيون ضد الاحتلال، والعدوان الإسرائيلي على غزة، إنحيازًا واضحًا لتل أبيب لا تخطئه العين، حيث تبنّت وسائل الإعلام الغربية مجموعة من المفاهيم والتوصيفات للحدث تعكس التماهي مع الجانب الإسرائيلي وتبني سرديته دون أدنى تحقق أو مراعاة للتوازن في إعداد وصياغة وتقديم القصة الخبرية، فهي تقوم على الصوت الأوحد الإسرائيلي، بينما يغيب تمامًا الجانب الفلسطيني لا سيما من هم في دائرة الإدانة والتنديد من جانب إسرائيل وداعميها من الدول الغربية.

ولعل هذا ما يمكن تلمسه في استخدام وسائل الإعلام الغربية بعض المصطلحات لتوصيف المشهد للقارئ أو نقله للمشاهد، فبينما تنعت عملية طوفان الأقصى ومنفذيها بـ”الإرهاب”، فإنها عند تعرضها لجرائم المستوطنين الإسرائيليين بحق الفلسطينيين لا توصمهم بـ”الإرهاب”، كما أنها تصف القصف الإسرائيلي على المدنيين والأحياء السكنية والمستشفيات ودور العبادة بـأنه “حرب” وليس “عدوانا”. ويعني ذلك ببساطة أن المعالجة الخبرية تستهدف التلاعب بالمصطلحات بالشكل الذي يخدم الاحتلال ويشوه الفلسطينيين.

وكان من الملاحظ كذلك في تغطيات وسائل الإعلام والصحف الغربية التركيز على تقديم قصص إنسانية حول القتلى في الجانب الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال قدمت صحيفة “ذي جارديان” البريطانية ملفًا مصورًا حول 26 من القتلى الإسرائيليين مع نشر صورة كل فرد منهم وتوصيف لما قالت إنها ملابسات مقتله. وقد تبنت هيئة الإذاعة البريطانية” بي بي سي” نمط المعالجة ذاته في تقرير مماثل.

كما قدمت خدمة البث العامة الأمريكية “بي بي إس” تقارير مصورة مع من قالت إنهم ناجون من هجوم حركة حماس على مهرجان “نوفا” الموسيقي جنوب إسرائيل، جاءت بعنوان “الناجون من هجوم حماس على مهرجان الموسيقى يصفون الفظائع وكيف نجوا منها أحياء”.

  • استراتيجية التجاهل والتعتيم

وعلى النقيض من ذلك، مارست وسائل الإعلام الغربية إما استراتيجية التعتيم أو التجاهل تمامًا للقصف الإسرائيلي الذي استهدف قافلة للنازحين الفلسطينيين جنوب غزة مساء الجمعة الماضية وأدى لاستشهاد 70 فلسطينيًا وإصابة 200 آخرين أغلبهم من النساء والأطفال، فعلى سبيل المثال اكتفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية بالإشارة إلى ذلك القصف في ثنايا قصة خبرية تحت عنوان “استعدادًا للهجوم.. إسرائيل تكثف دعواتها لسكان غزة لمغادرة منطقة القتال”، فالعنوان يناقض تمامًا السلوك الإجرامي الإسرائيلي والمعالجة الخبرية تثير علامات استفهام حيث تغيب القيمة الخبرية لمجزرة كهذه عن العناوين الرئيسية للتغطية.

وفي المقابل، استخدمت القصة الخبرية ذاتها توصيفات لجذب التعاطف مع الجانب الإسرائيلي من قبيل الحديث عن حصيلة القتلى في هجوم 7 أكتوبر بأنه “أسوأ قتل جماعي لليهود في يوم واحد منذ المحرقة” في إشارة إلى المحرقة النازية لليهود (الهولوكوست).

  • تسييس التحقق من الأخبار

ومن المثير للدهشة وأيضًا أحد الشواهد التي تؤكد الانحياز التام لإسرائيل أن أيًا من وسائل الإعلام الغربية لم تكلف نفسها عناء تفعيل آليات “التحقق من الأخبار- Fact Check”، علمًا بأن المؤسسات الإعلامية الغربية أظهرت على مدى السنوات القليلة الماضية اهتمامًا كبيرًا بتلك الآليات سواء على صعيد البرامج التدريبية للعاملين بالإعلام والصحافة أو الممارسة العملية باستخدام تلك الآليات، وذلك بهدف التأكد من صحة المعلومات والأخبار، لكن مع الأسف فإن ذلك الجهد كان غائبًا تماما إزاء الرواية الإسرائيلية المزعومة بشأن ذبح أطفال إسرائيليين على يد الفلسطينيين، وتبنّت وسائل الإعلام الغربية بشكل واضح الادعاءات الإسرائيلية دون تحقق في انتهاك صارخ للمعايير المهنية وغياب الاحترافية في ممارسة العمل الإعلامي، وتجلى ذلك في الحديث عن تنفيذ الفلسطينيين لعمليات إعدام على غرار تنظيم “داعش” الإرهابي تضمنت قطع رؤوس الأطفال الإسرائيليين، حيث عرضت منصات إعلامية كبرى مثل شبكة “سي.إن.إن” الإخبارية الأمريكية تلك الرواية دون تحقق، بل إن الرئيس الأمريكي نفسه استشهد في خطاب له بتلك التقارير الإعلامية، في حين أن مصدر تلك الادعاءات مستوطن يدعى ديفيد بن تسيون، وهو زعيم المجلس الإقليمي “شومرون” الذي يضم 35 مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وكان قد حرّض في مايو الماضي، على محو قرية حوّارة الفلسطينية بمحافظة نابلس.

والأدهى من ذلك أن “التحقق من الأخبار- Fact Check” تم استخدامه للتشكيك في المحتوى المتعلق بالفلسطينيين، وهنا على سبيل المثال قامت وكالة رويترز للأنباء بالتحقق من مقطع فيديو تم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي مع هاشتاق (#إسرائيل_تقتل_الأطفال) حيث قالت الوكالة إن هذا المقطع تم الادعاء بأنه لفلسطينيين يعثرون على طفل ناج من تحت الأنقاض بعد قصف إسرائيلي عشوائي، بينما هو لطفل تم إنقاذه من تحت الأنقاض في أعقاب الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا في فبراير الماضي.

وختامًا، يمكن القول بأن العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة لم يكن كاشفًا عن زيف ادعاءات الإعلام الغربي بالتحلي بالمهنية والحياد وانتهاج سياسة تحريرية مستقلة فحسب، بل شكّل فصلًا جديدًا في سجل تناقضات الغرب وازدواجية معاييره، فقاموس الإعلام الغربي مُسيس بامتياز لا سيما حين يتعامل مع الحق في مقاومة الاحتلال، فبينما تدعم الأجندات الإعلامية الغربية بوضوح الأوكرانيين في مواجهة روسيا، فإنها تُوصم الفلسطينيين بالإرهاب، وتنكر ما ترتكبه إسرائيل من عدوان وجرائم.